عبد الوهاب الشعراني

649

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

اللّه عنهم أجمعين : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] واللّه يتولى هداك . وقد روى أبو داود مرفوعا والترمذي بإسناد صحيح وحسن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أحبّ أن يتمثّل له الرّجال قياما فليتبوّأ مقعده من النّار » . قال الجلال السيوطي وهو حديث متواتر . وروى أبو داود وابن ماجة بإسناد حسن عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : « خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متوكّئا على عصا فقمنا إليه فقال لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا » . قلت : وفي حديث أنس أنه قال لم يكن أحد أحب إلينا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكنا لا نقوم له إذا مر علينا لما نعلم منه من كراهيته لذلك واللّه تعالى أعلم . [ النهي عن التهاون برد السلام من غير التلفظ به : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون برد السلام من غير لفظ بل نتلفظ به حتى نسمع من سلم علينا إلا أن يكون بعيدا منا فنرد بالإشارة باليد أو بالرأس مع اللفظ ، وهذا العهد قد غلب على أرباب الدولة الإخلال بالعمل به فلا تكاد تسمع من أحدهم لفظ السلام ، وإنما يسلمون ويردون بالإشارة بالرأس ، بل بعضهم يركع جملة واحدة . واعلم أن السلام أمان ، فكان المسلم يؤمن أخاه بقوله : « السلام عليكم » ويؤمنه الآخر بقوله : « وعليكم السلام » وأصل مشروعية السلام إنما هو على الذين يخافون من بعضهم بعضا ويتسلطون على بعضهم بالقتل وأخذ المال وإفساد الحريم ونحو ذلك ، وأما نحو الملوك فهم في أمان من آحاد الرعية وقولنا لهم « السلام عليكم » معناه أنتم في أمان منا أن نخالف أمركم ونخرج عن طاعتكم ، وكذلك السلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معناه أنت في أمان منا يا رسول اللّه أن نخالف شريعتك ، فيحصل عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طمأنينة القلب على ذلك الذي سلم عليه أن يقع في معصية اللّه عز وجل ، وذلك لكمال وفور شفقته صلى اللّه عليه وسلم على أمته ، وكذلك يحصل للملوك ومن والاهم طمأنينة القلب بانقياد رعيتهم لهم وعدم الخروج عليهم هذا أصل مشروعيته ، وقد فهم هذا الذي ذكرناه ومشروعيته بعض حاشية الملوك فجعلوا التحية بانخفاض الرؤوس وانحناء الظهور ، وقالوا الملوك في أمان من مثلنا أن نؤذيهم حتى نؤمنهم وما فهموا كمال الأمر ولا السر الذي ذكرناه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى يقول : إذا مررت على عدوك فسلم عليه واجهر به جهرا قويا حتى إنك تكاد تشق قلبه بالصوت ، ولكن بشرط أن تعلم منه أنه يرد عليك السلام ، فإن لم تعلم أنه يرد عليك لغلبة النفس عليه فارحمه بعدم السلام لئلا تعرضه للمعصية بعدم رده السلام ا ه .